أحمد زكي صفوت
87
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
كانت في امتناعهم ، وعفو أمير المؤمنين عنهم ، وتغمّده « 1 » لهم ، سابق لمعذرتهم ، وصلة أمير المؤمنين لهم ، وعطفه عليهم ، متقدم عنده لمسألتهم ، وأيم اللّه يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم ، وقد أخمد اللّه شرارهم ، وأطفأ نارهم ، ونفى مرّاقهم « 2 » ، وأصلح دهاءهم « 3 » ، وأولانى الجميل فيهم ، ورزقني الانتصار منهم ، فما ذلك كله : إلّا ببركتك ويمنك وريحك « 4 » ، ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة ، وتخوفهم منك ، ورجائهم لك . واللّه يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلّا بوصيتك ، وما عاملتهم إلا بأمرك ، ولا سرت فيهم إلا على حدّ ما مثّلته لي ورسمته ، ووقّفتنى عليه ، وو اللّه ما انقادوا إلا لدعوتك ، وتوحّد « 5 » اللّه بالصّنع لك ، وتخوّفهم من سطوتك . وما كان الذي كان منى ، وإن كنت قد بذلت جهدي ، وبلغت مجهودي ، قاضيا بعض حقّك علىّ ، بل ما ازدادت نعمتك علىّ عظما ، إلّا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا ، وما خلق اللّه أحدا من رعيتك ، أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقّك منى ، وما ذلك إلّا أن أكون باذلا مهجتي في طاعتك ، وكلّ ما يقرب إلىّ موافقتك ، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيرى ، فكيف بشكرى ! وقد أصبحت واحد أهل دهري ، فيما صنعته فىّ ؟ وبي ؟ أم كيف بشكرى ! وإنما أقوى على شكرك بإكرامك إياي ؟ ، وكيف بشكرى ! ولو جعل اللّه شكري في إحصاء ما أوليتنى ، لم يأت على ذلك عدّى ؟ وكيف بشكرى ! وأنت كهفي دون كلّ كهف لي ؟ وكيف بشكرى ! وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي ؟ وكيف بشكرى ! وأنت تجدّد من نعمتك عندي ما يستغرق كلّ ما سلف عندك لي ؟ أم كيف بشكرى ! وأنت تنسينى ما تقدم من إحسانك إلىّ ، بما تجدّده لي ؟ أم كيف بشكرى ؟ وأنت
--> ( 1 ) تغمده اللّه برحمته : غمره بها . ( 2 ) جمع مارق : وهو الخارج الحائد . ( 3 ) الدهماء : جماعة الناس . ( 4 ) قوتك . ( 5 ) توحده اللّه تعالى بعصمته : عصمه ولم يكله إلى غيره .